حيدر حب الله
134
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
فأنت لو قلت : كلّ العلماء في هذه المدينة عدول ، ثم قلت : بعض أهل هذه المدينة فاسقون ، فهذا لا يُثبت فسق بعض العلماء ، حتى نخصّص بدليلِ الفسق دليلَ التعديل ، بل لعلّ العكس هو الصحيح ؛ إذ يُخرج دليلُ التعديل العلماءَ من تحت دليل فسق بعض أهل هذه المدينة ، ولعمري هذا واضحٌ ومطابقٌ للصنعة الأصوليّة . بل ربما يقال - وهذا نطرحه بوصفه احتمالًا فقط - بأنّ تعبير ( منافقون ) الوارد في الآية رقم : 101 ، من سورة التوبة ( وربما في بعضٍ غيرها أيضاً ) ، لا يراد منه المسلمون المنافقون ، بل يُراد النفاق بالمعنى اللغوي ، بمعنى وجود جماعات من غير المسلمين في المدينة ومِن حولها متلوّنون ، فهم يتعاونون مع الخصوم ، ولكنّهم يوحون للنبيّ بأنّهم متحالفون معه أو مهادنون ، وهذا ما يشكّك في قدرة هذه الآية على إبطال فكرة عدالة الصحابة حتى بالمعنى الحديثي ، ولعلّ قرينة ما ندّعي أنّ الآية لم تقل : وممّن حولك من الأعراب منافقون ، بل قالت : ومّمن حولكم ، ومرجع الكلام إلى الجماعة المسلمة أو المؤمنة ، فيخرج عن الصحابي بالمعنى الحديثي ، والقدر المتيقّن خروجه عنه بالمعنى الأصولي . هذا ، وقد يقال بأنّ هذا التفسير الأخير الذي احتملناه - خروج المنافقين عن كونهم من المسلمين - غير قويّ ؛ لمعلوميّة الحديث عن نفاق بعض الأعراب من خلال آيات أخرى ، مثل ما جاء في الآية : ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( الحجرات : 14 ) ، فتأمّل . قد تقول : إنّ مقتضى العلم الغيبيّ لرسول الله صلى الله عليه وآله أنّه يعرف هؤلاء المنافقين جميعاً ، كيف والمعروف في المرويّات الإسلاميّة أنّ حذيفة بن اليمان كان يُرجع إليه في معرفة المنافقين ، فكيف لا يكون النبيّ على علمٍ بذلك ، فما معنى الحديث عن بقاء بعض الأفراد من المنافقين غير معروفين للنبيّ صلى الله عليه وآله ؟ ويجاب - بعد تخطّي مسألة صحّة مبنى العلم الغيبي بهذا الشكل للنبيّ ، وهو ما لم يثبت عندي بدليل حاسم - بأنّ النبيَّ مأمورٌ بالعمل بالظاهر وترتيب الآثار على علومه الظاهريّة